محمود سالم محمد
50
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
فموقف الإسلام من المديح مرتبط بالغاية من المديح وبصدقه ، وليس بمبدأ المديح ذاته ، ولذلك هجر الشعراء المسلمون من أغراض الشعر ومعانيه ما لا يتفق مع روح الإسلام وتعاليمه ، وأبقوا على ما لا يتعارض مع الإسلام ، وما يحث على الفضائل والعمل الصالح ، ومن ذلك مدح الرسول الكريم وأصحابه . وقد أبقى الإسلام على الكثير من القيم الجاهلية ، ونمّاها ، وأكسبها دلالات جديدة تغاير دلالاتها في الجاهلية ، فلم تبق الشجاعة والاستبسال في القتال من أجل التباهي والتفاخر والسلب والنهب وإنما أصبحت من أجل رفع كلمة اللّه ، والاستشهاد في سبيله . ولم يبق الكرم للتفاخر وإظهار المقدرة ، وإنما أضحى لمساعدة الإخوة في الدين ، وللتعبير عن التضامن الاجتماعي ، وهكذا . فمديح النبي الكريم في حياته ، كان حبا به وإعجابا بشمائله ، ونصرة لرسالته ، وإن أعطى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على مدحه ، فإنه استن سنة في أمته . وظلت دوافع المديح النبوي هذه عند الشعراء بعد أن انتقل إلى جوار ربه ، وزادت على ذلك ، إذا ابتغى الشعراء الأجر والثواب عند اللّه تعالى ، وطلبوا المغفرة والرحمة ، وأرادوا أن يقدموا لعصورهم المثل الأعلى للإنسان الكامل ، ليقتدوا به ، ويتبعوا سنته الغراء ، ولإصلاح أوضاع خاطئة في مجتمعاتهم ، فظلت دوافع مديحهم له تختلف عن دوافع المديح لسائر الخلق ، وخلص لهم الصدق وحرارة العاطفة التي يؤججها الإيمان والحب ، ولا يشوبها الرياء وطلب النوال ، وقد نصّ على ذلك شعراء المديح النبوي ، فقال البرعي : إذا مدح المدّاح أرباب عصرهم * مدحت الذي من نوره الكون يبهج وإن ذكروا ليلى ولبنى فإنّني * بذكر الحبيب الطّيّب الذّكر ألهج « 1 »
--> ( 1 ) ديوان البرعي : ص 212 .